عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
223
اللباب في علوم الكتاب
أحدها : أنّ الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد . الثاني : أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة اللّه سابقة على غضبه وغالبة عليه ، فكان ترجيح عمومات الوعد أولى . الثالث : أن الوعيد حق اللّه - تعالى - والوعد حق العبد ، وحق العبد أولى بالتحصيل من حق اللّه تعالى ، سلّمنا أنه لم يوجد المعارض ، ولكن هذه العمومات نزلت في حق الكفّار ، فلا تكون قاطعة في العمومات . فإن قيل : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب . قلنا : هب أنه كذلك ، ولكن لما رأينا كثيرا من الألفاظ العامة وردت في الأسباب الخاصة ، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أنّ إفادتها للعموم لا تكون قوية . واللّه أعلم . فهذا أصل البحث في دلائل الفريقين ، وأما دلائل الفريقين من الكتاب والسّنة فكثيرة ، فمنها على هذه الأصل حجّة من قال بالعفو في حق العبد « 1 » ، [ وبعض ] « 2 » الآيات الدالة على أنه - تعالى - غفور رحيم غافر غفار ، وهذا لا يحسن إلّا في حق من يستحق العذاب . [ فإن قيل ] « 3 » : لم لا يجوز حمله على تأخير العقاب كقوله في قصة اليهود : ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ [ البقرة : 52 ] والمراد تأخير العقاب إلى الآخرة ، وكذا قوله : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] وكذا قوله : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 34 ] . فالجواب : العفو أصله الإزالة من عفا أمره ، كما قال تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [ البقرة : 178 ] وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم ، بل الإسقاط المطلق ، فإن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال : إنه عفى فيه ، ولو أسقطه يقال : إنه عفى عنه . الثانية : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] وهذا يتناول صاحب [ الصغيرة وصاحب الكبيرة ] « 4 » قبل التوبة ؛ لأن الغفران للتائبين وأصحاب الصغائر واجب غير معلّق على المشيئة . فإن قيل : لا نسلم أن تلك المغفرة تدلّ على أنه - تعالى - لا يعذب العصاة في الآخرة ؛ لأن المغفرة إسقاط العقاب ، وهو أعم من إسقاطه دائما أو لا دائما واللفظ الموضوع بإزار القدر المشترك لا إشعار له بكل واحد ، فيجوز أن يكون المراد أن اللّه - تعالى - لا يؤخّر عقاب الشرك في الدنيا لمن يشاء ، ويؤخر عقاب ما دون ذلك في الدنيا لمن يشاء . فحصل بذلك تخويف كل الفريقين .
--> ( 1 ) في أ : البعض . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : الكبائر والصغائر .